Ads 468x60px

السبت، 25 أغسطس، 2012

في المغرب أول مقهى ثقافي يمزج بين الكتاب ونكهة القهوة



مبادرة غير مسبوقة في مراكش المغربية.. الكتب إلى جانب المشروبات والمأكولات وأطباق الحلوى

مراكش: عبد الكبير الميناوي
اختارت سيدة هولندية برفقة زوجها الأميركي، أن تفتح، في مراكش المغربية، مقهى للكتاب، تجاور فيها كتب الأدب المشروبات وأطباق الأكل وقطع الحلوى. يوجد «مقهى الكتاب»، على بعد خطوات من شارع جليز الذي يتوسط مراكش، وفيه يمكنك أن تطلب «كابتشينو» أو وجبة سريعة وأنت تتصفح المجلات والكتب المعروضة للبيع، وحين تهم بالمغادرة، يمكنك أن تختار بين أكثر من ألـفي كتاب، بأكثر من لغة، بينها «أزهار الشر» و«شفرة دافنشي» وكتب أخرى تنتمي إلى عالم الأدب بشكل خاص.

الوصول إلى باب البناية، يجعل الزائر يشعر كما لو أنه بصدد ولوج رواق فني أو معهد ثقافي. فالزيارة تبدأ بالاستمتاع بلوحات، هي عبارة عن قماش إيراني من القرن التاسع عشر، وذلك قبل الصعود عبر درج، وضعت، على جنباته، مجلات وصحف، لينفتح الطابق الأول للبناية على جهة يمنى تنتشر فيها طاولات تسد جوع البطن، وجهة يسرى للجلوس وتصفح الكتب المعروضة للبيع، باللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والهولندية، في الغالب.

مالكة المقهى، ساندرا زوولو، في حضور زوجها، جون شوماك، تحدثت لـ«الشرق الأوسط» بثقة كبيرة في النفس، واقتناع بقيمة الرهان والخيار الذي سارت فيه، فقالت: «أنا شغوفة بالأكل والكتب والناس. فقد ولدت في عائلة تعشق الكتب والقراءة، وأذكر، حين كنت صغيرة، كانت الكتب لا تكاد تفارق يد والدي. ثم إنني فتحت عيني، في بلادي، على مقاه تقترح على الزوار أكلا وكتبا، وأنا أرى أن تذوق الكتب والإقبال على القراءة، كفعل، يبقى مسألة تربية، قبل أي شيء آخر، كما أرى أنه من الحيوي بالنسبة للفرد أن يهرب إلى كتاب».

تتذكر زوولو علاقتها بالمغرب، وكيف تبلور المشروع، فتقول: «حين زرت المغرب عشقته، وعشقت مدينة مراكش، بشكل خاص. وحين التقيت زوجي، المهووس، مثلي، بعالم الكتب والثقافة، قررنا تنفيذ الفكرة وأخرجناها إلى حيز الوجود قبل نحو أربع سنوات. وينبغي الاعتراف، هنا، بأن البداية كانت صعبة، لكننا بفضل مساعدة الأصدقاء واقتناعنا بما نريده وتشبثنا برهان إنجاح المشروع، استطعنا السير قدما. وحين تبلورت الفكرة اتضح أنه يستحيل العيش من بيع الكتب وحدها. ولذا قرنت قائمة الكتب الطويلة، بقائمة أخرى للأكل والشرب».

وتابعت زوولو قائلة: «توجد، في مراكش، مكتبات تعرض كتبا باللغة العربية، ولذا اخترنا أن نقترح ما يمكن أن يشكل إضافة ثقافية، على مستوى المعروضات من الكتب، التي هي قديمة في الغالب، لكنها في حالة جيدة، الشيء الذي يجعل سعرها في المتناول. أما أسعار الأكل والمشروبات فهي، أيضا، في المتناول. اخترنا أن تكون كذلك لأن معظم روادنا من الأجانب المقيمين بالمدينة، فضلا عن طلبة الجامعة والمدارس والمركز الأميركي، هدفنا ليس تجاريا بحتا. والجميل أنه صار للمقهى، خلال هذه السنوات القليلة، مكانته في مراكش.. وهذا يشعرني بالفخر».

بين الكتب والأطباق الرئيسية للأكل، يقترح «مقهى الكتاب» أباريق الشاي وكؤوس القهوة وقطع الحلوى، كما تنظم فيه بين الفينة والأخرى حفلات توقيع وقراءات للكتب. وبهذه الصيغة، يعتبر «مقهى الكتاب» مقهى مكتبة، أما ديكوره فبسيط يعتمد أسلوب التزيين المعاصر، الذي يشعرك بالسكينة والهدوء. وهذه بساطة متعمدة، من جهة أنها تجعل من الكتاب مركز اهتمام الرواد، والقراءة محور الحديث والزيارة.

واليوم، وبعد سنوات قليلة من استقرار زوولو في «المدينة الحمراء»، صارت لديها قدرة الحكم، إذ تقول إن «مراكش ليست مدينة ثقافة»، وحين تتحدث عن تقاليد القراءة، بين المغاربة، لا تخفي استغرابها وتعجبها من خلو معظم بيوتهم من المكتبات والكتب، التي، إن وُجدت، تكون عبارة عن موسوعات، توضع بجوار جهاز التلفزيون أو الأواني الخزفية، كما لو أنها مجرد ديكور يؤثث البيت.

وبينما اختار «مقهى الكتاب» أن يكون مقهى مكتبة، اختارت مقاه كثيرة، بالمدينة الحمراء، أن تكون مقاهي للشيشة، لاستقطاب أكبر عدد من الناس، غالبا ما يكون بينهم قاصرون وتلاميذ مدارس.

ورغبة منها في الوقوف في وجه «دخان» الشيشة، أخذت بعض الجمعيات، في مراكش، المبادرة، من خلال وضع الكتب رهن إشارة مرتادي المقاهي، بعد الاتفاق مع أرباب بعض المقاهي لتخصيص حيز لبعض الرفوف، توضع فيها كتب ومجلات ثقافية.

ومع مثل هذه المبادرات، صار بإمكان مرتادي فضاءات بعض مقاهي مراكش، أن يطلبوا قهوة «نص نص» أو «براد» شاي، مع ديوان «لا تعتذر عما فعلت»، للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، أو أحد الأعداد القديمة لمجلة «الوحدة» أو «أقلام»، أو أحد مؤلفات المفكر المغربي الراحل، محمد عابد الجابري.

وعلى الرغم من نبرة التفاؤل والاعتراف بأهمية مثل هذه المبادرات، المشجعة على الفعل الثقافي والقراءة، يرى بعض اليائسين من الوضع الثقافي العام، أن المسألة لا تعدو أن تكون معركة خاسرة، للوقوف في وجه إعصار يعاند فعل القراءة ويهمش الكتاب. ويمكن القول إن مقهى «فرنسا»، الموجود في الجانب الأيمن من ساحة جامع الفنا، هو عنوان بارز لـ«حرب المقاهي»، الملخصة، برمزيتها، لصراع الأصالة والمعاصرة. ويعتبر مقهى «فرنسا»، أقدم وأشهر مقهى بساحة جامع الفنا، ومن مميزاته أنه يوفر رؤية شاملة للساحة، من جهة أنه يتوفر على سطح عال، كما يوجد في مقابله صومعة «الكتبية»، على المدخل الرئيسي، الذي يقود إلى عمق المدينة القديمة.

وعلى الرغم من أن بعض المقاهي، في مراكش، تبقى، برأي الإعلامي عبد الصمد الكباص، عبارة عن «مواقع للرصد»، حيث «الناس يجلسون في كراسيهم ويضعون مشروبهم على المائدة، وينظرون إلى ما حولهم، ويحكمون على بعضهم وعلى العالم وعلى أنفسهم»، فإن مقهى «فرنسا» يتميز، عن كثير من مقاهي مراكش، بماضيه، وتجاوز رواده لحالة «الرصد» إلى الاستمتاع بما يؤثث لساحة جامع الفنا الشهيرة من فرجة. وقبل أشهر، انتشرت، بين المراكشيين أخبار تحدثت عن شراء شركة المطاعم الأميركية «ماكدونالدز»، لمقهى «فرنسا»، لأجل تحويله إلى مطعم وجبات سريعة، غير أن ذلك لم يكن في نهاية الأمر سوى إشاعات ذهبت أدراج الدخان، الذي صار يملأ سماء الساحة.

ولعل ما زاد من حجم التخوفات والتساؤلات، التي طرحها كثير من رواد المقهى وعشاق الساحة، وهم يسمعون إشاعة تحول مقهى «فرنسا» إلى مطعم وجبات سريعة، أن كثيرا من رواده يعتبرون من أبرز المدافعين عن حق ساحة جامع الفنا في المحافظة على دفئه وذاكرته؛ ففي هذا المقهى، يجلس الكاتب الإسباني خوان غويتصولو، كما يجلس الباحث الهولندي بيرت فلينت، والشاعر المغربي محمد بلحاج آية وارهام، فضلا عن مثقفين وكتاب وفنانين، مغاربة وأجانب.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أضف تعليق

مطبخك اليوم





 
Blogger Templates custom blogger templates